أبو نصر الفارابي
102
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
والناطقة ، منها عملية ومنها نظرية . والعملية جعلت لتخدم النظرية ، والنظرية لا لتخدم شيئا آخر ، بل ليوصل بها إلى السعادة . وهذه كلها مقرونة بالقوة النزوعية . والنزوعية تخدم المتخيلة وتخدم الناطقة . والقوى الخادمة المدركة ليس يمكنها أن توفي الخدمة والعمل إلا بالقوة النزوعية . فان الاحساس والتخيل والروية ليست كافية في أن تفعل دون أن يقترن إلى ذلك تشوق إلى ما أحس أو تخيل أو روّى فيه وعلم ، لأن الإرادة هي أن تنزع بالقوة النزوعية إلى ما أدركت . فإذا علمت بالقوة النظرية السعادة ونضبت غاية وتشوقت بالنزوعية واستنبطت بالقوة المرويّة ما ينبغي أن تعمل حتى تنال بمعاونة المتخيلة والحواس على ذلك ، ثم فعلت بآلات القوة النزوعية تلك الأفعال ، كانت أفعال الانسان كلها خيرات وجميلة . فإذا لم تعلم السعادة ، أو علمت ولم تنصب غاية بتشوّق ، بل نصبت الغاية شيئا آخر سواها وتشوّقت بالنزوعية واستنبطت بالقوة المروية ما ينبغي أن تعمل حتى تنال الحواس والمتخيلة ، ثم فعلت تلك الأفعال بآلات القوة النزوعية ، كانت أفعال ذلك الانسان كلها غير جميلة « 1 » .
--> ( 1 ) تتحقق السعادة إذا أدركت بالعقل وتشوقت بالنزوعية وفعل ما ينبغي أن يفعل بآلات النزوعية .